حين وقع كتاب الدكتور ناصر الرباط تحت يدي بعنوان (المدن الميتة)
لم أكن جاهزاً لاستقبال هذه الكمية المؤلمة والصريحة من النقد الذي لم يسعَ إلى أي نوع من التجميل،
حين وقع كتاب الدكتور ناصر الرباط تحت يدي بعنوان (المدن الميتة) لم أكن جاهزاً لاستقبال هذه الكمية المؤلمة والصريحة من النقد الذي لم يسعَ إلى أي نوع من التجميل، لكن هذا الأستاذ الجامعي المتخصص والأكاديمي في العمارة والآثار استعمل المصطلح اللازم المدن الميتة، ودون أن يستعمل اللفظ الأقل إيلاماً (المدن المنسية) لأن المحصلة واحدة فالمنسي بحكم الميت.
ومن خلال زيارات عدة ومحاضرتين في دمشق وحلب وجد الدكتور الرباط الحاجة ملحة لإصدار هذا البحث المدعم بالصور اللائقة وذات الدقة والوضوح، والتي تعود إلى وقتنا الراهن، وفي مجال المعلومات استعان بمجمل المراجع المتوافرة، وفي العربية هي من النادرة كما كتاب أحمد وصفي زكريا صاحب الكتاب المرجعي عشائر الشام.
غاية المؤلف من بحثه ليست واحدة، فهو بداية يتناول الواقع السياحي في سورية، ويراه دون المستوى بكثير ويحدد الأسباب الخارجية والداخلية ليتحدث عن تقصير السوريين أنفسهم تجاه آثارهم ومدنهم المنسية التي صارت منسية وميتة بسبب تقصيرهم، ويعرج على البنية التحتية اللازمة للسياحة والتي ليست في الصورة اللائقة كما يرى المؤلف، وقد استعمل المؤلف لغة قاسية واضحة في نقده الصادر عن حب لهذه المدن أو القرى والدساكر كما يسميها.
وقد جاء الكتاب في عدة فصول:
سورية: التراث الكلاسيكي والسياحة/ المدن الميتة في الأدبيات الحديثة/ المدن الميتة هي قرى منسية/ لمحة معمارية عن أهم القرى المنسية/ ازدهار وانحطاط المدن المنسية/ هوية القرى المنسية وإسقاطاتها الأيديولوجية/ استمرارية عمارة القرى المنسية في القرون الوسطى/ القرى المنسية اليوم.

في الفصول التي عرض الدكتور الرباط للمدن الميتة تفسير للغاية من الكتاب، وهنا أقصد الغاية بعيدة المدى، فنحن أمام بحث محفز للعناية بالمدن المنسية الميتة، وهذا ما يبدو للعيان في الحديث عن الإسقاطات الأيديولوجية التي تدفع هذا الجانب أو ذاك للعناية بقرية معينة والاستثمار فيها، فللمكان هوية عبر التاريخ حتى يصل إلى القرى المنسية اليوم فهل تبقى هذه القرى منسية؟
جهد طيب وكبير أقدم عليه د. ناصر الربّاط في كتاب المدن الميتة، وتوثيق وتصوير ينّمان عن حب كبير لهذه المدن ولسورية حبذا لو تم تعميم ما في هذا البحث على المعنيين بالعمارة والمدن والسياحية، ربما استطعنا في وقت مناسب أن ننهض بهذه المدن الميتة من رقدتها لتصبح منارة ومصدر رزق ودخل في وقت نحن بأمس الحاجة إلى كل حجر لخلق سياحة تاريخية ودينية متميزة وقادرة على تحويل وجهة السياحة من وإلى..
بدأ الباحث بحثه من حديث يتردد عن انفتاح اجتماعي واقتصادي عظيم، وأنهى عن المدن المنسية اليوم، وما بينها كانت المسافة ممتدة لآلاف الأعوام تتحدث عن تاريخ لا نعرفه، وإن عرفناه لا نجيد التعامل معه، ويكفي أن الباحث يشير إلى عدم وجود أي مرجع بعينه باللغة العربية، ومثل هذا الكتاب من الصعب أن يتم تبنيه من دار نشر عادية، فهو مادة توثيقية مكلفة مادة وشكلاً لذا كان تبني دار الأوس له نقطة في مسيرتها التي خصصتها لدعم الأعمال الإبداعية والتشكيلية وكل ما يمت إلى الهم الثقافي الجاد بصلة.
إنها دعوة مخلصة للعمل على قيامة جديدة لهذه المدن وإخراجها من إطار الموت الدائم الذي لا تزال تغط فيه فهل يتم العمل على بث الحياة فيها؟ ربما.